محمد بن جرير الطبري

510

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " . 9895 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " ، الآية ، حتى بلغ " ضلالا بعيدًا " ، ذُكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين : رجل من الأنصار يقال له " بشر " ، وفي رجل من اليهود ، في مدارأة كانت بينهما في حق ، فتدارءا بينهما ، فتنافرا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما ، وتركا نبي الله صلى الله عليه وسلم . فعاب الله عز وجل ذلك = وذُكر لنا أن اليهودي كان يدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما ، وقد علم أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لن يجور عليه . فجعل الأنصاري يأبى عليه وهو يزعم أنه مسلم ، ويدعوه إلى الكاهن ، فأنزل الله تبارك وتعالى ما تسمعون ، فعابَ ذلك على الذي يزعم أنه مسلم ، وعلى اليهودي الذي هو من أهل الكتاب ، فقال : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك " إلى قوله : " صدودًا " . 9896 - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : " ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت " ، قال : كان ناس من اليهود قد أسلموا ونافق بعضهم . وكانت قُرَيظة والنَّضير في الجاهلية ، إذا قُتِل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة ، قتلوا به منهم . فإذا قُتِل الرجل من بني قريظة قتلته النضير ، أعطوْا ديتَه ستين وَسْقًا من تمر . ( 1 ) فلما أسلم ناس من بني قريظة والنضير ، قتل رجلٌ من بني النضير رجلا من بني قريظة ، فتحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النضيري : يا رسول الله ، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية ، فنحن نعطيهم اليوم ذلك . فقالت قريظة : لا ولكنا إخوانكم في النسب والدين ، ودماؤنا مثل دمائكم ، ولكنكم كنتم تغلبوننا في الجاهلية ، فقد جاء الله بالإسلام ! فأنزل الله يُعَيِّرهم بما فعلوا فقال : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) [ سورة المائدة : 54 ] ، فعيَّرهم ، ثم ذكر قول النضيري : " كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقًا ، ونقتل منهم ولا يقتلونا " ، فقال ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ) [ سورة المائدة : 50 ] . وأخذ النضيري فقتله بصاحبه ، فتفاخرت النضير وقريظة ، فقالت النضير : نحن أكرم منكم ! وقالت قريظة : نحن أكرم منكم ! ودخلوا المدينة إلى أبي بُرْدة ، ( 2 ) الكاهن الأسلمي ، فقال المنافق من قريظة والنضير : انطلقوا إلى أبي بردَة ينفِّر بيننا ! ( 3 )

--> ( 1 ) " الوسق " مكيلة معلومة في زمانهم ، كانت تبلغ حمل بعير . ( 2 ) في المطبوعة : " أبو برزة الأسلمي " وهو خطأ محض ، والصواب ما كان في المخطوطة ، فإن أبا برزة الأسلمي - نضلة بن عبيد - فهو صحابي جليل ، و " برزة " بفتح الباء بعدها راء ساكنة بعدها زاي . وأما " أبو بردة " فهو بالباء المضمومة بعدها راء ساكنة بعدها دال . وذكر الثعلبي في تفسيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بردة الأسلمي إلى الإسلام ، فأبى ، ثم كلمه ابناه في ذلك ، فأجاب إليه وأسلم . وقال الحافظ ابن حجر : " وعند الطبراني بسند جيد عن ابن عباس قال : كان أبو بردة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود ، فذكر القصة في نزول قوله تعالى : ألم تر إلى الذين يزعمون . . . " الإصابة في ترجمته . وذكر الهيثمي خبر ابن عباس في مجمع الزوائد 7 : 6 ، وفيه أيضًا " أبو برزة الأسلمي " ، وهو خطأ ، وقال : " رواه الطبراني ، ورجاله رجال الصحيح " . وكذلك رواه ابن كثير في تفسيره 2 : 500 وفيه أيضًا " أبو برزة " وهو خطأ . ( 3 ) في المطبوعة هنا أيضًا " أبو برزة " ، وانظر التعليق السالف . ويقال : " نفر الحاكم أحد المتخاصمين على صاحبه تنفيرًا " : أي قضى عليه بالغلبة . وهو من " المنافرة " وذلك أن يتفاخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ، ثم يحكما بينهما رجلا ، يغلب أحدهما على الآخر .